الأحد، 29 يونيو، 2008

درس من الكويت


أصدرت محكمة التمييز الكويتية ، وهي تعادل محكمة النقض عندنا ، حكما تاريخيا بتثبيت حكم الإدانة والإعدام ضد أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت ، وهو الشيخ طلال ناصر الصباح ، بتهمة جلب المخدرات ، وكانت محكمتان سابقتان أول درجة والاستئناف قد حكمتا على الرجل بالإعدام للتهمة نفسها ، وتوقع كثيرون أن يتم "تلطيف الحكم" في الدرجات القضائية الأعلى غير أن حكم "التمييز" أنهى التكهنات بإصدار حكم نهائي وبات بإعدام أحد أفراد الأسرة الحاكمة ، وكان الرجل قد ألقي عليه القبض بأمر مباشر من وزير الداخلية الكويتي السابق الشيخ جابر المبارك الصباح وهو من الأسرة الحاكمة أيضا ، بعيدا عن أي تفاصيل وأية حذلقات "نضالية" من المحترفين ، الذين يخلطون أي شيئ بأي شيئ لإطفاء أية شمعة مضيئة في حياة العرب مهما كانت ضعيفة أو محدودة باتهامات جاهزة وسابقة التعليب وخارج الموضوع ، فإن هذا الحكم سيظل علامة فخر واعتزاز للكويت والكويتيين ، ولحظة تاريخية فارقة في تاريخ القضاء الكويتي ، بل والعربي ، لم يحدث في التاريخ العربي الحديث أن أدان قضاء الدولة أحد أفراد الأسرة الحاكمة بشهر واحد سجن ، ناهيك عن أن يحكم عليه بالحكم المروع "الإعدام" إلا في حالة الصراع الداخلي على السلطة ، فقط لا غير ، يحدث ذلك رغم الاتهامات والقصص والحكايات التي لا تنتهي في طول العالم العربي وعرضه عن فساد أبناء النخب الحاكمة ، وهناك رئيس دولة عربية أفريقية يطارد البوليس الدولي "الانتربول" العديد من أفراد أسرته وأصهاره بتهم مختلفة منها التهريب وتجارة المخدرات ، وقد تم القبض على البعض منهم فعلا ، بينما ما زال آخرون يحظون برعاية وحماية الزعيم الكبير ، يمكن للعرب سماع قضايا عديدة لأبناء بعض الأسر الحاكمة خارج البلاد ، لكن من المحال أن تسمع عن هذه القضايا داخل الدولة التي تحكمها تلك الأسرة ، وذكروني إن كنت نسيت ، والأمر لا يتعلق فقط بالأسر الحاكمة بمفهومها المباشر كما في النظم الملكية ، وإنما أيضا في "الأسر" الحاكمة بمفهومها غير المباشر كما هو الحال في أكثر من عاصمة "جمهورية" عربية ، والأسر الحاكمة ، خاصة الأسر الكبيرة والممتدة ، مثلها مثل غيرها من الأسر تجد فيها الصالح والطالح ، وتأتي المشكلة دائما من الهيبة والنفوذ الخطير الذي يتمتع به أبناء تلك الأسر في حلهم وترحالهم ، وفي سفرهم وعودتهم ، هل يتخيل أحد أن يقوم ضابط أو موظف جمرك بتفتيش حقائب أحد أبناء الأسرة الحاكمة في دولته لدى سفره أو عودته من المطار ، مستحيل طبعا ، وهذا ما يفتح المجال رحبا وواسعا أمام أي منحرف أو ضال في أن يفعل ما يشاء آمنا من الرقابة والعدالة والفضيحة والتجريس ، والأمر نفسه يحدث مع غير أبناء الأسر الحاكمة ، من بعض كبار رجال الدولة والمتنفذين والمقربين وأصحاب السطوة ، وفي بعض البلاد المعروفة بثرائها من الآثار التاريخية النادرة والثمينة التي يسيل لها لعاب الكثير من المؤسسات الدولية تتم بانتظام أضخم عملية تهريب وتجارة آثار عرفها التاريخ ، وهي أكبر من عملية نهب وتهريب آثار العراق نفسه بعد انهيار الدولة ، ومعظم ثروات هؤلاء المتنفذين وأنجالهم وحاشيتهم هي من تلك التجارة السهلة والمضمونة ، والأكثر في عائدها وثمراتها من تجارة المخدرات ، .. القانون ليس فقط رمزا لسيادة الدول ، وإنما شرط لوجودها وحياتها ، والعدالة ليست مجرد بحث عن الحقوق ، وإنما هي شرط استمرارية الحياة "الإنسانية" ، وللعلامة ابن القيم رحمه الله عبارة شهيرة يقول فيها : إن الله تعالى يقيم دولة العدل ولو كانت كافرة ولا يقيم دولة الظلم ولو كانت مسلمة ، وفي الحكمة النبوية الخالدة : إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، ألف تحية للقضاء الكويتي ونأمل أن يحتذي الآخرون حذوه في بلادنا .
_________________________
المصدر: http://www.almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=50435&Page=1&Part=8

ليست هناك تعليقات: