الاثنين، 23 يونيو، 2008

درس من الصين


لا توجد أي دراسات علمية جادة أو حتى تنتسب إلى العلم بصلة تقول بأن زيادة معدلات التنمية تتوقف على تقليل النسل ، فقط هناك دراسات علمية موثقة وشهيرة تتحدث عن تأثر معدلات التنمية سلبيا في حالة قلة النسل ، وهذه هي المشكلة الرئيسية التي تهدد مستقبل التنمية في الدول الأوربية حاليا ، والتي من أجلها تعقد عشرات المؤتمرات وتتشكل عشرات اللجان وتنشر مئات الدراسات ، وهناك خطط "لاستيراد" النسل من أفريقيا وآسيا لتغطية احتياجات القطاعات التنموية المختلفة التي لا يمكنها الاستمرار فضلا عن النمو في ظل التراجع الكبير في معدلات الإنجاب هناك ، هذا هو الجانب الوحيد المؤكد والعلمي ، أما مسألة زيادة النسل فلا يوجد أي دليل علمي على أنها معوق للتنمية ، والحقيقة أنهم هنا في مصر لم يجرؤا على القول بأنه معوق للتنمية ، وإنما يتحدثون عن أنها "تلتهم" ثمرات التنمية ، وكأن التنمية ليست موضوعة لإطعام الناس وتحقيق الرفاه الاجتماعي في حدوده المعقولة لهم ، وكأن التنمية التي يخططون لها تعني فقط تكديس المال في أرصدة الحيتان الكبيرة أو "الهوامير" على رأي أهل الخليج ، هم لا يملكون خططا تنموية تستطيع أن تستغل هذه الطاقات البشرية الهائلة في تنمية ثروة الأمة ، ببساطة لأن هناك فسادا يلتهم أي ثروة وطنية ممكنة ، الدولة تحولت إلى ما يشبه "الجيب المثقوب" كلما وضعت فيه مالا تسرب إلى التراب وإلى الهدر وإلى اللصوص ، فكيف يمكنك أن تبني مصانع وتوسع الرقعة الزراعية وتمنح المواطنين فرصا للعطاء والإنجاز ، وإذا نظرنا إلى تجارب الدول المليارية في عدد السكان ، مثل الصين على سبيل المثال سنجد دليلا قاطعا على أن كثرة السكان ليست سببا للتخلف أو الفقر كما أن قلة السكان في المقابل ليست سببا للثراء والرفاه ، عندما كانت الصين في حدود السبعمائة مليون نسمة في حقبة "ماوتسي تونج" كانت الصين واحدة من أفقر دول العالم ، وأقل بلاد العالم في الاحتياطي القومي من العملات الصعبة ، وأقل مستوى معيشة للمواطن على مستوى العالم ، وأقل معدلات تنمية أيضا ، وحاولت القيادة الصينية وقتها وبعد ذلك أيضا صرف الانتباه عن "الخلل" بالحديث عن تقليل النسل وتحديد مولود واحد لكل أسرة ، ولكنهم فوجئوا بتشوهات اجتماعية خطيرة إضافة إلى استمرار الفشل والتردي الاقتصادي ، واليوم عندما أصبحت الصين مليارا وثلاثمائة مليون إنسان ، أي بزيادة خمسمائة مليون نسمة ، أصبحت الصين ليست نمرا اقتصاديا فحسب ، بل ديناصور اقتصادي خطير ، يهدد الاقتصاد الأمريكي نفسه ، وواحدة من أعلى معدلات التنمية في العالم كله ، وبصورة تصل إلى حد المعجزة ، والدخل القومي الصيني تجاوز الترليون دولار ، ألف مليار دولار ، واحتياطي النقد الأجنبي في مثل هذا المستوى نفسه ، وتحول الشعب الصيني إلى خلايا عمل نشطة ودؤوبة ومنتجة وناجحة وأصبحت الصناعات الصينية تغزو العالم كله بما في ذلك أوربا وأمريكا والعالم الثالث ، من الإبرة إلى الصاروخ ، حقيقة لا تهريجا ، ويصعب أن تجد منتجا الآن في العالم الثالث وليس على غلافه "صنع في الصين" ، ومستويات للجودة متعددة تلائم كل مستوى مالي ، وهذا يعني أنه عندما تضاعف عدد سكان الصين زادت معدلات التنمية وحققت الطفرة ، بطبيعة الحال لم يكن الزيادة السكانية فقط التي حققت الطفرة وإنما الخطط التنموية الجادة والطموحة التي تفهم البشر كسواعد وطاقات عمل وليست مجرد أفواه تبحث عن طعام ، وتجفيف منابع ومسارب الفساد بقسوة مفرطة أحيانا ، وثقة القيادة في قدرات شعبها وطاقته على الإنجاز ، وأعتقد أن هذا درس جيد لقادة بلادنا ، حقيق بأن يتواضعوا أمامه ، لا أقول ليعترفوا بعجزهم وقلة حيلتهم وفشلهم ، ولكن على الأقل يخففوا اتهاماتهم للشعب المسكين بأنه سبب كل البلاء ، لأنهم يتزوجون ويتناسلون .

_______________________________________________________

ليست هناك تعليقات: