الاثنين، 17 مارس، 2008

مع سبق الإصرار


بسم الله الرحمن الرحيم


مع سبق الإصرار


لست بناقدة ولا أطمح أن أكون ..ربما أحب أن اقرأ نقد بعض الأعمال الأدبية لكي أتعلم..أتعلم أن أرى السطور ومابينها والكلمات وماوراءها..أن أنفذ من النص إلى فكر الكاتب ووجدانه لحظة الإبداع وأراقب عن كثب ما يختلجها من زلازل فكرية واضطرابات وجدانية ثم أتحاور معها وأحاول الوصول إلى أعماقها وإلى نقطة التقاء أبدأ منها طرح أسئلة حول إيجابيات وسلبيات العمل دون أن أكسر قلم الكاتب أو قلبه..فالعمل الإبداعي جزء لا يتجزأ من روح مبدعه وأن تمزقه وتلقي به في وجهه فذلك لايعني إلا جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد..


خطرت لي هذه الخواطر وأنا أتصفح بعض المواقع الأدبية وأتابع طريقة التعاطي مع النصوص المطروحة ..وفى الحقيقة وجدت صورة مكررة لما يحدث فى بعض وليس كل المنتديات الثقافية على أرض الواقع..هناك كبار يستأثرون بالكلمة والنقد..لايريدون أن يروا إيجابيات في كتابة المنضمين الجدد للمكان..لايريدون أن يحاولوا الدخول إلى عوالمهم ومحاورة أفكارهم في جو صحي سوي..لفقط يتلقفون العمل ويضعونه تحت أحذيتهم دون رحمة ..كل مهمتهم هي البحث عن مواطن الضعف والركاكة واضطراب الفكرة والمضمون ..وإن لم تكن موجودة أوجدوها هم بسطوتهم القلمية التي يخافها الجميع ويحرص على استرضائها حتى لا يناله منها صفعة أو ركلة ترمي به إلى غياهب الإحباط والسقوط واللاعودة إلى الكتابة..


إن الكاتب ليس كغيره من البشر..إنه أكثر حساسية وأرهف شعوراً ..وعمله إنما هو خلاصة فكره ووجدانه وانفعالاته وتوجهاته وخلفياته وبيئته..وحينما توجه طعنة لعمله فكأنما يُطعن كل ذلك معه وهذا يعني وأد إبداعه حياً مع سبق الإصرار والترصد..ولعلي أتساءل : ألا يجب علينا استيعاب الجديد ومحاولة إفساح المكان له ليتبوأ موقعه..أليس من حقه أن يجد لقلمه موضعاً تحت الشمس بدلاً من إلقائه إلى مستنقع الظلال بل الظلام دون بواكي..ثم ألم تتعرض كل المناهج الجديدة وطرق الكتابة المختلفة إلى عواصف نقد ممن سبقوها لمجرد أنهم لم يستطيعوا النفاذ إلى عوالمهم وقراءتهم..ثم أصبحت تلك المناهج والطرق من المدارس الراسية الراسخة في مجالاتها والتف حولها مدافعون وموالون لها وتغير واقعها ومكانها من القاع المتوقع إلى القمة الواقعية..؟؟


مراراً سمعت كلمات تناشد الكبار أو من يظنون أنفسهم كباراً أن ينظروا بعين الرأفة إلى هؤلاء الذين يقتحمون صرح الكتابة بأقلام تنضح بالأمل والمقدرة على التجديد والتطوير ..أن يتبنوهم ويحتضنوهم دون قيد أو شرط ..دون إجبارهم على تغيير توجهاتهم كشرط أساس لمنحهم البركات والدفعات..دون الإصرار على هدمهم فكرياً ووجدانياً قبل أن يفكروا فى نقلة جديدة أمامية لأقدامهم..إن الإيجابية فى النقد لاتعني التحطيم..لكنها تعني التقويم والاستيعاب ..بالطبع هذا لايعني أن ندفع بالسيء إلى الأمام أو أن نأخذ بيد الغث ونجعله فى مكان السمين ولكن يعني أن نميز بين الساقط والذى يستطيع أن يصعد..بين المبتذل وبين من عنده القدرة على الارتقاء...بين من يعرف ماهية القلم وبين المكسورة أقلامهم قبل أن تكتب...


لقد احتوى نجيب محفوظ جيلاً بأكمله دون أن يحطمه ودون أن يجبرهم على تغيير طريقتهم فى الكتابة..كان يوجههم ويعطيهم من عصارة خبراته وطريقته الإبداعية لكننا أبداً لم نسمع أنه كان سليط اللسان أو جارحاً بل على العكس من ذلك كان يعلمهم أن يقفوا في مواجهة الريح أن يتعلموا من النقد دون أن يسمحوا له بشنق إبداعهم الوليد..ولهذا فقد خرجت من مدرسته عشرات المواهب المتميزة ذات الشخصية الخاصة التي تأثرت ربما باحتوائه وتوجيهاته لكنها ظلت محتفظة بمذاقها المختلف عن غيرها مما ساعد على بزوغ شمس مدارس جديدة لم تكن موجودة من قبل لم تناهض القديم لكنها دانت له بالكثير من عوامل التألق والنجاح واعتبرت مدارسها تطوراً طبيعياً لمدرسته ..أما الذين لم يجدوا إلا من صفعهم فى بداياتهم فقد أضمروا حقداً لهؤلاء الذين حطموهم وحاربوهم هم والموالين لهم حين سطعت نجومهم بوعي وبغير وعي ومن ثم تقطعت أواصر التواصل بين المدارس والأجيال الأدبية المختلفة إلا من رحم ربي..


لدينا مشكلة عامة لانستطيع إنكارها تتركز في صعوبة تقبل الآخر..صعوبة التعاطي مع فكره إن كان يختلف معنا..هذه المشكلة لاتدمر إيجابية النقد فقط ولكنها تدمر الكثير من مناحي حياتنا العلمية والعملية..وتقتل الإبداع والابتكار والحوار ..وهي أشياء لازمة لتطويرنا على كافة المستويات وإن لم نستطع أن نتحرر ونتجرد من أهوائنا الشخصية وردود أفعالنا العنيفة والميل للهدم لنظل فى القمة والقدرات الفاشلة في بث روح التواصل والاتصال فلن نستطيع أن نحلم بغد أكثر إشراقاً وتقدماً.. لأننا ببساطة مصرون على الضحك على أنفسنا وتمنيتها بما لا أمل فيه..إن التغيير أبداً لايبدأ من الخارج ولكن من الداخل..وإذا كان المثقفون وحاملو شعلة النور فى المجتمع هم أول من يرفضون التغيير فلا لوم إذن على العوام ..وعليه فلنخرس ألسنتنا جميعاً وليحتفظ كل منا برأيه لنفسه بدلاً من نتبادل الاتهامات غير الموضوعية على الموائد الإعلامية والعنكبوتية وحتى المنزلية..ومادمنا نجهل ألف باء تقدم فلا داع لأن ندعي ماليس لنا ونوهم غيرنا بما لم و لن يحدث..


د.حنان فاروق




ليست هناك تعليقات: